اخبار السودان

[ المكيافلّية الخبيثة ]

ما هي المكيافلّية؟، وإلى من تُنسب؟، وما هو دورها في الحياة السياسية والاجتماعية؟.
▪︎المكيافلّية: هي مبدأٌ باطلٌ مناهضٌ لمبدأ الحق والعدل الذي جاءت به الشرائع السماوية وأمر به الله عز وجل رسله وأنبيائه عليهم السلام حيث قال تعالى:
“إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ”.
النحل: (90).
•المَكْيَافِلّية:
[1] (بالإنجليزية: Machiavellianism) أو القناع المكيافلّي

(بالإنجليزية: Machiavellian mask)، وفقاً لتعريف قاموس أوكسفورد الإنجليزي هي: “توظيف المكر والازدواجية (الخداع) في الكفاءة السياسية أو في “السلوك العام”، وهو أيضاً مصطلح يعبر عن مذهبٍ فكري سياسي أو فلسفي يمكن تلخيصه في عبارة :”الغاية تبرر الوسيلة” وينسب إلى الدبلوماسي والكاتب نيكولو مكيافلّي (1469م 1527م) الذي عاش في عصر النهضة الإيطالية ، وكتب عن هذا المذهب في واحدٍ من أمهات الكتب الغربية كتاب الأمير (بالإيطالية: Il Principe) كما كانت له أعمال فكرية أخرى.
ويستخدم المصطلح أيضاً بشكل مماثل في علم النفس الحديث حيث توصف بهِ واحدة من شخصيات ثالوث الظلام (بالإنجليزية: dark triad)، والتي تُوسم بأسلوب مزدوج الشخصية (يجمع بين شخصيتين) مرتبط باعتقاداتٍ قلبية (سلبية شديدة) ، وفضيلةٍ براجماتية (واقعية أو عملية).
[2] أصبحت كلمة Machiavellian أو «مكيافلّي» (وأشكالٌ متنوعةٌ أخرى منها) كلمة شعبية جداً في اللغة الإنجليزية أواخر القرن السادس عشر ، على الرغم من أن أول إستشهادٍ «بالمكيافلّية» نفسها في قاموس أوكسفورد الإنجليزي كان عام 1626م.
والفهلوة مصطلحٌ مرادفٌ للمكيافلّية في الدارجة

 المصرية ، ويصف المصريون الشخص الذي يوسم بذلك المذهب بأنه فهلوي كبديلٍ لكلمة Machiavellian في اللغة الإنجليزية.

• في علم النفس:
يستخدم مصطلح المكيافلّية من قبل بعض علماء النفس المختصين في الاجتماعيات وتحليل الشخصية لوصف نزعة الشخص إلى أن يكون غير عاطفي ، وبذلك يكون قادرًا على فصل ذاته من مفهوم الفضيلة (أو الأخلاق) التقليدي ، وبالتالي يكون قادرًا على خداع الآخرين والتلاعب بهم . في الستينات من القرن العشرين ، قام ريتشارد كريستي وفلورنسال. غايس بتطوير اختبار لقياس مستوى المكيافلّية في الفرد. وأصبح اختبارهما الذي يدعى «ماخ4» أو Mach IV ، وهو عبارة عن استبيان للسمات الشخصية مكون من عشرين عبارة ، أداة معيارية للتقييم الذاتي لمدى المكيافلّية في الفرد. الناس التي تسجل درجات عالية في المقياس (ذوي الماخ العالي) تميل إلى تأييد عبارات مثل ، «لا تخبر أحدًا أبدًا عن السبب الحقيقي لشيء فعلته إلا إذا كان القيام بذلك مفيدًا» (عبارة رقم 1) ولكن لا تؤيد عبارات مثل تلك ، «في الأساس ، أغلب الناس خيرون وطيبون» (عبارة رقم 4) ، «لا يوجد عذر لأن تكذب على غيرك» (عبارة رقم 7) أو «أغلب الناس الذين يمضون قدماً في العالم يسلكون حياة نظيفة ، وأخلاقية» (عبارة رقم 11). وقد قام كريستي وغايس باستخدام مقياسهما وأجريا اختبارات تجريبية متعددة أظهرت أن استراتيجيات العلاقات الشخصية وسلوكيات الأشخاص «ذوي الماخ العالي» و«ذوي الماخ المنخفض» تختلف.[7] وقد تم نسخ النتائج الأساسية لتجاربهما في العديد من المطبوعات على نطاق واسع.[8] وقد وجد أنه بالقياس على مقياس «ماخ4» أو Mach IV، تسجل الذكور، في المتوسط ، مستويات أعلى بقليل من الإناث في المكيافلّية .

الدافع:
وصف الدافع للمكيافلّية في نشرة صدرت عام 1992م من حيث تعلقه بالأنانية الباردة والواسطة النقية ، إذ أن الأفراد ذوي المستويات العالية من تلك السمة يتعقبون دوافعهم (مثل الجنس والإنجاز الوظيفي ، والقبول الاجتماعي) بطرق مزدوجة (مخادعة). وفي المزيد من البحوث الأحدث التي أجريت على دوافع هؤلاء الأشخاص ذوي الماخ العالي مقارنة بأولئك ذوي الماخ المنخفض ، وجد أنهم قد أعطوا أولوية عالية للمال والسلطة والمنافسة، وأولوية منخفضة نسبياً لبناء جماعة ، وحب الذات ، والاهتمامات الأسرية. إن الأشخاص ذوي الماخ العالي يعترفون بالتركيز على التحقيق الخشن لأهدافهم والفوز بأي ثمن.
• إذًا هي منهجٌ باطلٌ ، وميزانٌ مختلٌ ، وطريقٌ ملتويةٌ من وحي الشيطان اللعين يضل بها بني الإنسان ممّن اتخذوه هاديًا لهم إلى صراط الجحيم، وإمامًا في الضلال ، فهي باختصار مبدأ: ( الغاية تبرر الوسيلة!).
فإذا كانت الغاية لدى الشخص بلوغ السلطة ، عمل على ركوب كل وسيلة تبلّغه السلطة وإن كانت فاجرة كافرة، ومحرّمة سافرة ، ولو كانت جريمة حرب وضد الإنسانية!.
وإذا كانت غايته جمع المال حاول إكتسابه من كل طريق حلال أم حرام ، فهو لا يبالي ولو ارتكب النهب والقتل!.
وإذا كانت غايته تضليل الناس وتغييبهم ، فإنه يمارس الكذب والخديعة وتزييف الحقائق.
وقد شاهدنا هذا بأم أعيننا في القيادات السياسية والدينية للأحزاب والجماعات الاسلامية التي تدّعي زورًا أنها تريد تحقيق منهج الله في الناس!.
أما الأحزاب السياسية ، فحدّث ولا حرج!.
ولا عيب عليهم لأن مشروعهم أصلًا قائم على المصالح الذاتية الدنيوية .. فليس لهم في الآخرة من خلاق ، إذ أنهم لا يفكّرون فيها وليست داخلة في حساباتهم!!.
هذه هي المكيافلية الخبيثة المقيتة ولا شئ فيها جميل وطيب يحقّق رضا الله ، ومصالح العباد وفق طاعة رب العباد.
▪︎أما نسبتها: فهي تُنسب إلى مكيافلّي كما تقدّم أحد تلاميذ أرسطو مع فارق الزمان وأن أرسطو ورث تعاليم أستاذيه (سقراط وافلاطون!). وكان قد تتلمذ على أفلاطون ، كما أن أفلاطون تتلمذ على سقراط وهؤلاء الثلاثة كانوا في عصر واحد .. لكن أرسطو خلّط وحرّف ما ورثه من أفلاطون في توحيد الإله بأنّ للعالم موجدٌ واحد إله يستحق الإفراد بالعبادة ، فأحدث القول بقِدم العالم ، وعبدَ الأوثان خلافًا على ما كان عليه أساتذتُه “سقراط وأفلاطون”، حيث كانا يقولان بحدوث العالم ومعاد الأبدان “البعث”، والصفات والأمور الاختيارية للبارئ .. ولكن بقيت مع أرسطو بعض الآثار والحكم الموروثة ، فكان يرشد بها الملوك كالاسكندر. يقول أرسطاطاليس: (املك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها ، فإن طلبك ذلك منهم باحسانك هو أدوم بقاءً منه باعتسافك، واعلم أنك إنما تملك الأبدان فتخطّهم إلى القلوب بالمعروف ، واعلم أن الرعية إذا قدرت على أن تقول ، قدرت على أن تفعل فاجهد ألا تقول تسلم من أن تفعل).
قلت أيّ عمقٍ هذا في النصيحة؟!
يعني: إذا ملكت الناس بالإحسان ، وهبوك الحب والوفاء ، لأن ما تقدّمه من إحسانٍ لهم ، إدامة لملكك عليهم من كونك متعسفًا جبارًا في حكمك.
كما أنك مهما تصورت شمولية ملكك للناس فلا يعدو الأجساد، ولكن تجاوز أجسادهم إلى قلوبهم بالمعروف ، لأن الناس إذا طفح الكيل قالوا ، وإذا قدروا على القول قدروا على الفعل تباعًا ، فاجتهد في ما يمنع قولهم بفعل الإحسان إليهم ، لا بتكميم أفواههم ، وهجرهم وزجرهم ، وظلمهم .. عساك تسلم من فعلهم. كلام يكتب بماء العيون!!!!!
هذه من النصائح الغالية التي كان يسديها الفلاسفة “الحكماء”
إلى الحكام ، ويعمل بها الحكام غالبًا فيصلح نظامُ الحكمِ ويعود بالنفع للأمة.
وإذا أمعنّا النظر في هذه النصيحة من أرسطو رغم انحرافه في جانب العقيدة لكن لازالت معه بعض المُثل القيمة التي يسترشد بها الحكام وعامة الناس.
فهو أفضل من تلميذه الذي انحرف بتعاليمه أكثر إلى سوء الإدارة بعيدًا عن تعاليم الأديان السماوية والقيم الفاضلة الموروثة من الإنسانية.
فجاء بهذا المبدأ البغيض الخبيث (الغاية تبرّر الوسيلة)!.
ولمّا نتحدث عن مكيافيلّي ينبغي أن نستحضر كم عندنا مكيافلّي اليوم؟؟!
▪︎أما طبيعة دورها في الحياة السياسية: فهي تخرّجُ  ساسةً يخدعون شعوبهم ، ويمتطون ظهر الكذب وخيانة العهد من أجل الوصول إلى كرسي السلطة، ومن بعد ذلك ينسون تلك الجماهير التي تنتظرهم يعملون شيئًا لصالحها، ولكن للأسف تتبخّرُ أحلامهم وتصطدمُ بالانتهازية والأنانية والمكيافلّية.. فكانت تلك الجماهير لديهم بمثابة “حصان طروادة” ليس إلا!.
▪︎وفي الحياة الاجتماعية: نجد نماذجَ وشواهدَ كثيرة تدلّنا على أنهم من خريجي مدرسة مكيافلّي المجرم ، حيث ينصبون شراك هذا المبدأ الخبيث لاصطياد فرائسهم، وللضحك على الناس في علاقاتهم العامة والخاصة!.
في الوقت الذي يجب أن تقوم فيه العلاقات الاجتماعية على مبدأ سليم ، وهو تبادل المشاعر الصادقة النبيلة ، والمصالح المشتركة الحقيقية بعيدة عن المزايدات والخداع.
• فكم من صديق أسقط صديقه في فخّ الانتهازية والتخلّص من تلك العلاقة غير الصادقة من طرفه ، فكان يتحيّن الوقت المناسب ، فحينما لاحت له السانحة لم يتردّد في الإيقاع به واسقاطه دون رحمة وإشفاق!، فتبدّلت تلك الصداقة الحميمة إلى عداوة مطلقة ، وذلك الحب إلى بغضاء مقيتة .. وما أقساه من شعور الخيبة عندما يتكشّف الباطن عن خبث محتواه ، ويسقط القناع عن وجه كالح!.
• وكم من زيجةٍ من الجنسين “رجالًا ونساءً” حتى لا أقسو على طرف دون الآخر فسدت بطريقة مكيافلّي ، لأن أحد طرفي العلاقة لم يكن صادقًا في علاقته ، إنما دخلها عن طمع! وهذا الطمع يمكن أن يكون “ماديًا أو معنويًا”، فتكشفه الظروف والمناسبات والأحداث والأيام وربما الشهور أو السنون!
وهنا تحدث الصدمة والفاجعة للطرف الآخري البريء الذي كان يَخالُها علاقة مشاعر صادقة ، وشراكة نزيهة تقوم على الحب والتفاهم والتناغم!.
• وكم من شراكة تجارية فشِلت لذات السبب ، وهو استغلال أحدُ الشريكن أو الشركاء لشركائه ، وخيانته له أو لهم ، لأن غايته كانت الإيقاع بهم والنصب عليهم وقد حقّق غايته بهكذا مكيافلّية خبيثة بغيضة.
فيكتشف الشريك أو الشركاء أنه سارقٌ محترف النصبَ والإجرام!.
• وكم من عمل طوعي دخله من ليس له علاقة بالعمل الطوعي لا من حيث الضمير أو النزاهة أو مخافة الله ، فكانت صدمة المانحين أشد على قلوبهم من ضرب السيوف ووقع السهام!.
كل ذلك يحدث بسبب مبدأ المكيافلّية الرخيص.
ولو يعلم من يمتطي ظهره كم هو أردى نفسه قتيلًا ، ما ركبه يومًا ولا كان من أهله أو دعاته.
أتمنى أن يكف هولاء المكيافلّيون عن إجرامهم ، وليعلموا أن الناس ليسوا كلهم بذلك الغباء والتسطيح والتنويم المغناطيسي ، حتى لا يدرون بما يقومون به من مكر وخبث ودهاء مذموم ونفاق وزندقة.
وحيث إني لا أجد توصيفًا مناسبًا وتعريفًا لائقًا لماهية المكيافيلية غير أنها النفاق المارد والزندقة الفجّة القمئة.
*ولنتذكّر دومًا كما جاء في المزيد من البحوث الأحدث التي أجريت على دوافع هؤلاء الأشخاص ذوي الماخ العالي مقارنة بأولئك ذوي الماخ المنخفض ، وجد أنهم قد أعطوا أولوية عالية للمال والسلطة والمنافسة، وأولوية منخفضة نسبيًا لبناء جماعة ، وحب الذات ، والاهتمامات الأسرية. إن الأشخاص ذوي الماخ العالي يعترفون بالتركيز على التحقيق الخشن لأهدافهم والفوز بأي ثمن*.
• ملاحظة:
سيتواصل الحديث عن الفلاسفة إن شاء الله تعالى في الأعداد التالية.

المصدر: صحيفة الراكوبة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *