اخبار السودان

التهريب البري إلى مصر.. مغامرة المعاناة والحظ والتحمل  

 

رحلة المعاناة بدأت بالبحث عن مهرب أمين عطفا على حكايات متداولة عن تعرض مسافرين للاحتيال والابتزاز وتركهم في الحدود

التغيير: أسوان

بعد تفكير عميق وعصف ذهني مضن قررنا حسم أمرنا والتوجه إلى مصر عن طريق التهريب برا على الرغم من مخاطر المغامرة.

رحلة المعاناة بدأت بالبحث عن مهرب أمين ومضمون عطفا على حكايات متداولة عن تعرض مسافرين للاحتيال والابتزاز وتركهم في الحدود المصرية السودانية يواجهون الموت والجوع.

وقع الاختيار على أحد المهربين، وهو مشهور بصدقه ونزاهته، أخبرني عنه صديق سافرت زوجته وأولاده معه وشهدوا له بطيب المعاملة والمهنية والاحترافية.

السفر في العيد

خامس أيام عيد الفطر الماضي كان الموعد المضروب للتحرك من ولاية كسلا شرقي السودان. في البدء اتفق معنا المهرب على أن يصلنا حيث نسكن ولاحقا طلب منا أن نلتقيه عند قرية الحفائر التي تبعد نحو نصف ساعة من المدينة.

اتفقنا معه على مبلغ 250 دولارا للفرد تكاليف للرحلة حتى منطقة الكسارات في مدخل أسوان المصرية. وصلنا قرية الحفائر إحدى معاقل قبيلة الرشايدة، معظم بيوتها من القش والطين ولا تبدو عليها آثار غنى وثراء، ومعظم سكانها يعملون بالتجارة وتعدين الذهب.

استقبلنا المهرب ببشاشة وطلب منا دفع الأموال أولا، وطلب من أحد أصدقائه تشغيل الإنترنت عن طريق نظام “ستار لينك” نسبة لضعف الشبكة العادية، وبالفعل قمنا بتحويل المبلغ ومن ثم اتجهنا إلى خارج القرية في انتظار سيارتي دفع رباعي من ماركة “تويوتا بوكس” متجهتين لذات وجهتنا، فالرشايدة يحبون الرفقة من بني قبيلتهم.

بعد انتظار دام قرابة ساعتين حضرت السيارتان محملتين بالاسر السودانية اطفالا ونساء وامتعة. وضعنا امتعتنا رفقة الماء والبسكوت والبلح وبعض معينات الرحلة في صندوق العربة.

توتر وخوف

التوتر والخوف كانا مسيطرين على الموقف بالنسبة للمسافرين. حاول المهرب كسر الترقب بالحديث معنا وطمأنتنا. اتجهت السيارات إلى مدينة عطبرة عبر طريق خلوي مع بعض المحادثات المتقطعة داخل السيارة والاغاني الخاصة بالرشايدة المنبعثة من مشغل الموسيقى بالسيارة.

ست ساعات متواصله تتخللتها وقفه الأداء صلاة المغرب في الطريق الصحراوي الموحش الذي يخلو حتى من الحيوانات. توقف بعدها السائق مرة واحدة في الطريق حيث وجدنا خياما عشوائية ورواكيب يقدم اصحابها الوجبات. تناولنا الفول والعدس والشاي والقهوة وواصلنا المسير إلى أن وصلنا مشارف عطبرة لنقابل ارتكازا للجيش.

طلب منا أفراد الاستخبارات ابراز الهويات وتحديد الوجهة عندما اخبرناهم باننا نقصد عطبرة غضبوا وطالبونا بعدم الكذب وبأنهم يعلمون بأننا متجهون إلى اسوان.

دخلنا منطقة أبو عريضة حوالي الساعه 11 مساء. اخبرنا المهرب بأن إحدى السيارات ستدخل إلى مدينة عطبرة لجلب مسافرين آخرين ثم تتواصل بعد ذلك الرحلة.

تركنا المهرب رفقة سيارتين في الخلاء. افترشنا بطانية على الارض تخوفا من العقارب، وبالفعل تعرض أحد مرافقي السائق للدغتين مما دفعنا لتحويل وجهتنا إلى احدى الاستراحات القريبة، وهي خيام سوق عشوائي حيث قضينا الليلة ولم تحضر العربة التي غادرت بسبب دخول حظر التجول. استيقظنا صباحا وبدأ الجميع في تناول الشاي والقهوة وشراء بقية المستلزمات من ماء وطعام ونظارات وملافح ومعاطف شتوية وغيرها.

قبل العاشرة صباحا حضرت العربة الثالثة وتحركنا نحو الحدود. الرجال قابعون في مؤخرة “البوكس” والنساء والأطفال في الأمام. قاومنا الشمس وحرارة الاجواء والغبار باصطناع الحديث. توقفنا مرتين فقط عند مطاعم عشوائية مع وجود حمامات وانترنت فضائي “ستار لينك”.

الحدود المصرية

بعد 14 ساعة من المسير دخلنا الحدود منتصف الليل عند منطقة التخزينة. قضينا ليلتنا في السيارة بعد تناول الطعام والشاي والقهوة في أجواء باردة مع إحساس بإرهاق كبير.

عند الصباح التقينا تجارا ينشطون في تجارة العملة، حيث يبدلون الجنيه المصري مقابل 34 جنيها سودانيا (السعر في مصر بين 28 و29 جنيها)، ويعرضون شرائح الاتصالات المصريه بمبالغ تصل إلى 10 دولارات.

استبدل البعض العملة معهم عن طريق تطبيق بنكك أو عن طريق النقد مضطرين رغم غلاء السعر. اختفى المهربون صباحا في رحلة بحث عن سيارات مصرية لتكمل المهمة، ثم عادوا حوالي العاشرة صباحا واحضروا معهم آخرين من أبناء قبيلتهم بدلا من المصريين ليستكملوا معنا الرحلة.

تفرغنا لتناول الإفطار والتجهيز للرحلة في اجواء ساخنة في الصحراء مع غلاء الماء والطعام الذي يقدم باسعار مضاعفة.

غابت السيارات واصحابها الذين اخبرونا بأنهم سيخضعونها للصيانة والتجهيز. زاد القلق والتوتر مع حراره الطقس وسط احاديث بأن الطريق مغلق وأن حرس الحدود المصري يمشط الموقع وهو ما أكده لنا رجوع ثماني سيارات لم تتمكن من عبور الحدود.

عند الساعة الثالثة عصرا تحركنا بعد ان تأكد المهربون من ان الطريق آمن. تحول جميع المسافرين إلى صندوق العربة مع تقييد الشباب بالحبال مع اطراف السيارة وحصر النساء والاطفال في الوسط.

تحركت السيارتان في وقت  بلغ فيه التعب مبلغه من المسافرين وسط شكوى من السيدات والاطفال من المطبات والغبار والبرد بعد دخول الليل.

الكسارات وكركر

دخلنا منطقة الكسارات في اسوان عند حوالي الحادية عشرة ليلا حيث تراصت بعض التكاتك (الركشات) المصرية التي حُذرنا منها مسبقا، إذ قيل لنا انهم يبتزون المسافرين وبعضهم ينهب الاموال والهواتف.

قمنا باستئجار ميكروباص 14 راكبا إلى داخل اسوان بموقف كركر بواسطه سوداني بمبلغ 5000 جنيه مصري تقسم على عدد المسافرين. وصلنا الى استراحه كركر التي تحتوي على بصات سفرية للقاهرة ومقاهي وحمامات ومطاعم وبقالات. تبين لنا أن الشخص السوداني حاول احتيالنا فهو اخبرنا انه سيأخذ من كل واحد منا 700 جنيه قيمه السفر الى القاهره مضافا اليها 550 جنيها اجره الميكروبات السابقه من الكسارات. وبعد سؤال اصحاب البصات والمقاهي تبين ان قيمه التذكره 450 جنيها فقط الي القاهره وليس 700 فرفضنا السفر معه وبحثنا عن حجز في البص الذي سيتحرك مساء.

تحولنا الى فندق داخل اسوان اخذ منا صاحب التاكسي 250 جنيها للفرد وهو مبلغ اتضح لنا لاحقا بانه مبالغ فيه واننا تعرضنا للاحتيال نسبة لقرب المسافة من كركر للفندق. فقد وصلنا لاحقا إلى موقع البص مشيا على الاقدام من الفندق، وحين وصولنا كانت الساعة التاسعة مساء لكننا انتظرنا حتى الواحدة صباحا إلى أن تحرك الباص.

بعد 13 ساعة من السفر وصلنا أخيرا إلى القاهرة بعد توقفنا في الطريق للاستراحة مرتين. انزلنا البص في شارع صلاح سالم وسط احتجاجات من الركاب تطالب بان يوصلنا إلى منطقة رمسيس وفي النهاية رضخنا للامر وترجلنا من البص.

استقبلنا المصريون وبعض السودانيين اصحاب التكاسي وتسابقوا على الزبائن لدرجة الشجار فيما بينهم. أخذنا عربة اجرة بمبلغ 200 جنيه مصري حتى منطقة فيصل لنبدأ رحلة جديدة من المعاناة مع ايجار شقة للسكن.. وهذه قصة أخرى!

 

المصدر: صحيفة التغيير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *