اخبار السودان

عمالة الأطفال.. التشريعات وحدها لا تكفي

منظمة العمل الدولية تصنف السودان خامس أسوأ دولة في عمالة الأطفال.

التغيير: سارة تاج السر

رغم احتمالية تعرضه لحوادث الدهس في طرقات الخرطوم يومياً، إلا أن مصطفى صاحب الثالثة عشرة سنة، لإيابه بذلك، ويلاحق أرتال السيارات، عند الإشارات المرورية، عارضاً ما بحوزته من مناديل ورقية، أو اكسسورات خاصة بالعربات، وأحيانا فواكه، للبيع.

وبدلاً من أن تتولى أسرة مصطفى إعالته والصرف عليه، أصبح هو عائلها بعد تركه مقاعد الدراسة إلى جانب شقيقه الآخر البالغ من العمر 17 عاماً، ويعمل مساعداً في إحدى الشاحنات الكبيرة التي تنشط في التجارة بين الحدود السودانية المصرية.

مليون طفل في سوق العمل

مصطفى وشقيقه هم من ضمن مليون طفل سوداني قذفت بهم الأوضاع الاقتصادية والفقر إلى سوق العمل وفق لآخر إحصائية صادرة من المجلس القومي لرعاية الطفولة منذ العام 2017م، وتتركز الأنشطة التي يعمل بها الأطفال في الزراعة والرعي والتعدين، ليصنف السودان خامس أسوأ دولة في عمالة الأطفال حسب منظمة العمل الدولية.

فيما أوضحت نتائج المسح العنقودي متعدد المؤشرات 2014 أن نسب عمالة الأطفال عالية وتتغير حسب عمر الطفل وتتأثر مباشرة بمستوى دخل الأسرة وتتباين كثيراً بين الولايات، وأوضحت العينة أن طفلا من كل أربع طفلا عمر 5 17 سنة يعملون في أنشطة اقتصادية، وذكرت أن نسبة عمل الأطفال في الأنشطة الاقتصادية ترتفع من 22.2 % للأطفال عمر 5 11 سنة إلى 28.7 % للأطفال عمر 1214 سنة وإلى 29.7 % للأطفال عمر 1517 سنة.

وتتفاوت هذه النسبة حسب مراحل تعليم الطفل: 31.8% لغير المتعلمين 19.6 % للابتدائي 13.2% للثانوي 8.0% للعالي. وتوضح هذه المعدلات العالية وارتفاعها حسب العمر دور العمالة في حرمان الأطفال من التعليم وفي عدم استقرارهم في الفصول الدراسية بالمدارس. ومن العوامل المساعدة على انتشار عمالة الأطفال عدم وجود الفرص الكافية لاستيعابهم في مراحل التعليم العام. كذلك تكون العمالة عالية لأطفال الأسر الفقيرة 40.6% مقارنة بالأسر متوسطة الدخل 23.2% والأسر الغنية 10.2%.

وأكدت المسئولة بأمانة التنسيق وشئون الولايات بالمجلس القومي لرعاية الطفولة، د. إيمان أحمد محمد بادي، في حديثها مع (التغيير)، أن العامل الأساسي، في عمالة الأطفال، الفقر والظروف الاقتصادية والاجتماعية فضلاً عن تفشي النزاعات والنزوح.

التعرض للزئبق والسيانيد

طبقا لمصادر موثوقة تحدثت لـ(التغيير) فإن وزارة الصحة أجرت قبل نحو 3 أعوام، عمليات مسح عشوائية على الأطفال العاملين في مناطق التعدين، حيث أظهرت النتائج تعرض هؤلاء الأطفال لمخاطر صحية بالغة.

وقال مهندس سابق بوزارة التعدين (للتغيير): رأيت أطفالاً في سن الدراسة بجبل عامر بدارفور، يتعرضون للزئبق دون حماية أو توعية، وفي دار مالي بنهر النيل، يبيعون الأيسكريم وأشياء منزلية أخرى، وفي البحر الأحمر ينزل بعضهم إلى داخل المناجم رغم صغر سنه. وأقر بعدم وجود إحصاءات رسمية عن عدد هؤلاء الأطفال.

المسح العشوائي، الذي أجرته وزارة الصحة، دفع المجلس القومي لرعاية الطفولة إلى تبني مشروع دراسة حول (الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للأطفال العاملين بمناطق الذهب) استهدف الخمس ولايات التي تنشط فيها أعمال التعدين، في العام 2018 بتكلفة 2 مليار جنيه حينها.

وقالت إيمان: الظروف السياسية وما صاحبها من اندلاع الاحتجاجات وقتها عطل تنفيذ مشروع الدراسة، وذكرت بأن المجلس أودع الأخيرة منضدة الشركة السودانية للموارد المعدنية، التي وافقت مبدئيا على التصور، وأشارت إلى أنهم من خلال الدراسة يرغبون في معرفة عدد الأطفال العاملين في مناطق الذهب والظروف التي يعملون فيها والمخاطر الصحية التي يتعرضون لها.

عقوبات غير رادعة

افرد قانون الطفل لسنة 2010م الفصل السابع لعمالة وتنظيم استخدام الأطفال، حيث حظر عمل من هم دون سن الرابعة عشرة واستثني عمل الأطفال في الرعي، الأعمال الزراعية، غير الخطرة أو الضارة بالصحة

ومنع القانون استخدام الأطفال في الأعمال الخطرة، والصناعات التي تتسبب في الأضرار بصحة الطفل أو سلامته أو سلوكه الأخلاقي.

وحدد ساعات العمل اليومي للطفل بأن لا تزيد عن 7 ساعات تتخللها فترة راحة لا تقل في مجموعها عن ساعة بحيث لا يعمل الطفل أكثر من أربع ساعات متتالية ولا يبقي في مكان العمل فترة تزيد على 7 ساعات كما حظر تشغيل الطفل ساعات إضافية أو أيام الراحة والعطلات الرسمية أو ليلاً.

كما ألزم القانون صاحب العمل بمنح الطفل إجازة مدفوعة الأجر، وتقديم الرعاية الطبية والصحية له وتدريب على كيفية استخدام وسائل السلامة بجانب الاستفادة من الخدمات الاجتماعية العمالية التي تتلاءم وعمره.

النصوص القانونية المذكورة لم تحول دون استخدام الأطفال في جمع القمامة، الورش الصناعية، الأسواق، المصانع الكمائن، غسيل المركبات فضلا عن أعمال هامشية أخرى، ورغم الاشتراطات السابقة إلا أن التشريع لم يشتمل على عقوبات واضحة ورادعة بشأن المخالفين كما أقرت بذلك مسئولة المجلس، وأوضحت بأن الأخير يسعى إلى تفعيل لائحة الجزاءات التي أجيزت في وقت سابق حيث تحتاج إلى مزيد من المراجعة والتنقيح.

التسرب يعمق الظاهرة

واعتبر الناطق الرسمي باسم لجنة المعلمين السودانيين سامي الباقر لـ(التغيير) بأن عمالة الأطفال هي إحدى الظواهر الناتجة عن التسرب المدرسي، الذي وصل إلى 7 مليون طفل هم خارج أسوار الدراسة حسب صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونسيف).

وأكد الباقر أن عدم إتاحة التعليم بصورة متكافئة، انعدام الإنصاف والعدالة، غياب الجودة وعدم إلزامية التعليم ومجانيته من الأسباب الرئيسية المغذية لعمالة الأطفال، حيث تعجز بعض الأسر عن سداد نفقات لوازم الدراسة.

ونبه الباقر إلى نقطة أخرى وهي البيئة التي يعمل فيها الأطفال وتعرضهم للاستغلال، الابتزاز، المخدرات، والسلوكيات غير السوية، وحمل الباقر، المسئولية للحكومة التي لا تضع التعليم في سلم أولوياتها وتخصص مبالغ ضئيلة له في ميزانياتها.

المصدر: صحيفة التغيير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *