اخبار السودان

المكان وتعزيز الانتماء عبر الأغنية السودانية “5”

محمد التجاني عمر قش

هذه الحلقة تحملنا نحو الشمال حيث النيل والنخيل وإيقاع الدليب والرقة واللحن الطروب، وحيث الإنسان مرتبط بأرضه ارتباطاً وجودياً، حتى أنه يحمل ذكرياته في تلك الديار حيثما ذهب، فهو لا ينفك يحن إليها حنين الإبل إلى المعاطن أو حنين الغريب للترحال. ونجد ذلك الدفق الوجداني الذي ينم عن الانتماء الخالص في قصيدة الشاعر جيلي عبد الرحمن التي بث عبرها شوقه الي عبري، وشدا بها المبدع زكي عبد الكريم:

أحن إليك يا عبري حنينا ماج في صدري
وأذكر عهدك البسام عهد الظل في عمري
تطوف بخاطري الذكرى من الأعماق من غوري
وتبدو في بهاتتها كطيف خالد يسري
عليه غلالة سوداء ذابت في رؤى الفجر
طيوف لست أنساها ورب يعافها غيري
أنا ظمآن يا عبري إلى الأمواه والطير
إلى كثبانك الغرقى هناك بحافة النهر
يذهبها سنا الشمس بأكوام من التبر
ونخلك رامق النظرات ملء السفح والجسر
يطل على ربى النيل ويحمل أطيب التمر

هذه القصيدة ترسم لوحة زاهية من كل النواحي، الجغرافية والوجدانية مما يعزز الانتماء إلى المكان بشكل مذهل، والإنسان لا ينفك يحن لوطنه دوماً؛ لأن هذا من طبع البشر الأوفياء لوطنهم. ونجد ذات الانتماء إلى المكان عند الشاعر ميرغني ديشاب وهو يتغنى ببلده أرقين فيقول:

أرقين ترقد في الرمال صبية
ترمي الهوى بقلوبنا وتهدهد
حلل الطبيعة في جمال يحسد

أما الشاعر والصحفي الكبير سليمان عبد الجليل فيخلد لنا تلك الذكرى المؤلمة والجرح القومي الدامي حيث صور لنا الحزن الذي لف قلوب سكان وادي حلفا عند تهجيرهم بعد بناء السد العالي بقوله:

حليل أرض الجزائر
والمراكب والطنابير الترن
حليل ناس ليلى
ساعة الليل يجن
يا غالية يا تمرة فؤادي
الليلة ما عاد المراكب شرقن
والقمري فوق نخل الفريق
فاقد الاهل يبكي ويحن

وبما أن هذه الحلقة عن الشمال، فخير من يشارك بها هو الشاعر والإعلامي الأستاذ علي الكرار هاشم الذي جاءت مشاركته حاوية وشاملة. وهي تسلط الضوء على الجانب الوجداني، إذا صحت العبارة في الأغنية السودانية، وهو جانب مهم وجدنا فيه ذكر المناطق والمدن والقري التي استلهم الشعراء منها الكثير وحببوها للمستمع وأحيوها في ذاكرة الأجيال.

للإذاعة السودانية القدح المعلى في هذا المجال حيث أنها، إضافة لنشر هذه الأغاني، قد قامت بالتعريف بالمناطق، وذهبت أبعد من ذلك حين خصصت برنامجا خاصا لأغاني الريف وأسمته “من ربوع السودان”. وقد كانت هناك منافسة لشعار البرنامج ظهرت منها الأغنية (من أم در إلى العاصمة أرح نمشي الاقاليم ديك) وقد فاز فنان الرباطاب أحمد عمر بالشعار المعروف:

من أم در يا ربوع سودانا نحييك وأنت كل آمالنا

وفي الشمال صدح النعام آدم وغيره وعرفونا بالعديد من المدن مثال:

شتيلة قرير الفجر نبحن بوابيره يا الرايقة

وزهرة أرقو حلوه حلاته

فاقت في الجمال زميلاته

وغير ذلك لدرجة تكاد تكون غطت أسماء كل المدن. أما فنان المناصير ادريس بروي فقد أدخل منطقته كلها بأغنية وحيدة كان لها حظا في الذيوع والانتشار حين غني “من أعز ديار أنا ومنصوري موقد نار أنا”. واستمرت منافسة الأغنية المناطقية لتشمل العديد من القرى حتى شملت أسماء ما كان لها حظ يذكر من المعرفة مثل أغنيات ود السافل:

الأمان لي سيد كل جيل

السكون يا نقزو الجويل

الوداع المحزن يا قلبي الثبات

كل أسباب أزاي صيد القنبرات

وأغنية عبد الواحد مديني:

بنيه من فتوار موقده فينا النار

وعن القلوباب يقول الشاعر:

الزول للقلوباب ماشي يا ناس

فراقو لي قاسي يا ناس

وقد استأثرت الباوقة بالعديد من الأغاني من أشهرها أغنية التراث “نار الكماين”:

نسد الساحة

ونشيل مفتاحه

وعليك يا الباوقة اللذيذ تفاحه

وبجوارها فقد ذاع اسم العبيدية بقصيدة العمدة مختار ود رحمة:

قالت أمو جيد لي ناظر العبيدية

جدك يغفر السيئة

وخالف للرجال كية

كما أخذت بربر حقها كاملا حين غني لها عثمان ابجاره وغيره العديد من الاغنيات منها:

الحيا والعفاف يا بنات بربر

الذوق والجمال واللهيج سكر

وأشير إلى عطبرة في كثير من الروائع مثل أغنية قطار الشوق التي رددها مطربون كثر:

قطار الشوق متين ترحل تودينا
نشوف بلدا حنان أهلا ترسي هناك ترسينا
نسايم عطبرة الحلوة تهدينا وترسينا
نقابل فيها ناس طيبين فراقم كان ببكينا

وقد تمتعت شندي والمتمة بالعديد من الأغنيات منذ عهد حكامات الدلوكة أمثال حميرا، وتواصل العطاء حتى حسين شندي، ونمشي شندي نزور الحبايب. وأخيرا تحضرني في هذا المجال أغنية الأخ يحي أحمد التوم والتي غطت كل محطات القطار من أبو حمد حتى الخرطوم:

مسافره الجاهلة يا حليله

وراها أنا ما بنوم ليله

وفيها يقول:

أنا برسل ليك كمساري يجيب ليك كل أخباري

بغازلك والقطار ماري على الميجا وجبل جاري

والمجال بلا شك كبير ومتسع وننتظر بقية المشاركات حتى تكتمل الصور وتعم الفائدة.

[email protected]

المصدر: صحيفة الراكوبة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *