اخر الاخبار

دروس في السنة الهجرية الجديدة

 إن حادثة هجرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم تمد المسلمين بالعبر والعظات والدروس والتوجيهات. إن الهجرة بالمعنى الشّرعي ليست مجرّد الانتقال من بلد إلى آخر فحسب، بل هي هجرة عامة عن كل ما نهى عنه الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، هجرة من الذّنوب والسّيّئات.. هجرة من الشّهوات والشّبهات.. هجرة من مجالس المنكرات.. هجرة من ضيق الدّنيا إلى سعة الآخرة.
لقد أذن الله تعالى لنبيّه وأصحابه بالهجرة لمّا ضاقت عليهم الأرض، ومنعتهم قريش من إقامة دين الله والدّعوة إليه.. لقد كانت رحلة الهجرة مغامرة محفوفة بالمخاطر الّتي تطير لها الرّؤوس.

فالسّيوف تحاصره عليه الصّلاة والسّلام في بيته وليس بينه وبينها إلّا الباب، والمطاردون يقفون أمامه على مدخل الغار، وسُراقة الفارس المدجّج بالسّلاح يدنو منه حتّى يسمع قراءته، والرّسول صلّى الله عليه وسلّم في ظلّ هذه الظّروف العصيبة متوكّل على ربّه واثق من نصره. فمهما اشتدّت الكروب ومهما ادلهمّت الخطوب يبقى المؤمن متوكّلًا على ربّه واثقًا بنصره لأوليائه.

لقد سطّر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه صفحات مشرقة من التّضحية والمغامرة بالأنفس والأموال لنصرة هذا الدّين. لقد هاجروا لله ولم يتعلّلوا بالأولاد ولا بقلّة المال فلم يكن للدّنيا بأسرها أدنى قيمة عندهم في مقابل أمر الله وأمر ورسوله صلّى الله عليه وسلّم.

المعنى الحقيقي للهِجرة أنّه إذا كانت الهجرة في وقت من الأوقات تعني النُّقلةَ المكانية من أرض الشّرك إلى أرضِ الإسلام، من مكّة إلى المدينة، فقد ألغاها النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم حينما قال: “لا هجرةَ بعدَ الفتح، ولكن جهاد ونيّة”، ألغاها بالمعنى الجغرافي، لكنّه أبقاها بالمعنى المعنويِّ، حيث قال: “والمهاجر مَن هجر ما نَهَى الله عنه”.

إذا فالمطلوب من كلٍّ منّا أن يهاجر، يهاجر من المعصية إلى الطّاعة، من الكسل إلى العمل، من القنوط إلى الأمل، من الضّعف إلى القوّة، ومن التّسفُّل إلى القمّة، من الذلّة إلى العزّة، ومن الانكسارِ إلى الانتصار، من الانكفاء على الذّات إلى الاهتمام بشأن المسلمين، من مصلحة الفرد إلى مصلحة المجموع، من حياة الهوان والحرمان إلى حياة الإيمان والإحسان.

وهذه المعاني كلّها مازالت صالحة لكلّ زمان ومكان، فما أحوج العبد المؤمن إلى هجر كلّ ما يغضب الله عزّ وجلّ من فتن وإغراءات وعادات ورعونات، وهذه هجرة مفتوحة دائمًا، فقد روى أبو داود بسند صحيح أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: “لا تنقطع الهجرة حتّى تنقطع التّوبة، ولا تنقطع التّوبة حتّى تطلع الشّمس من مغربها”.

وهكذا نجد أنّ الهجرة سلوك واجب ومستمرّ، علينا أن نباشرَه ونمارسَه على كلِّ المستويات، وفي جميعِ الأوقات، وأخلاق عالية، وقيم رفيعة يجب أن نحياها ونعيشها على طول الطّريق رغم وعْثائه وأشواكه.
فها نحن نودِّع عامًا هجريًا قد مضى، ونستقبل عامًا جديدًا، لقد عَفَتْ سنة من عمرِ كلِّ واحد منّا، ودنَونَا من آجالنا الّتي كتبها الله لنا، أفلا يجدر بكلّ منّا أن يقف وقفةَ تأمّلٍ، نحاسب فيها أنفسنا ونراجع رصيدنا كما نفعل في الأمور الاقتصادية، ونخطّط لأنفسنا برنامجًا نافعًا مفيدًا لنا ولأسرتنا ومجتمعنا وأمّتنا.

ولعلّ أهمّ درس نتعلّمه من ذكرى الهجرة النّبويّة هو إدراكُ قيمة الوقت، فالوقت هو الحياة، واستغلالُه في الطّاعة طريق النّجاة، عام من حياتنا مضى، بحُلوه ومُرِّه، بخيره وشرِّه، بحسناته وسيّئاته، لا ندري أيكون لنا أم علينا؛ لذا يجب أن نكون من الله على وَجَل؛ {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ}، لهم المغفرة؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}.
إنّ انتهاء عام من أعمارنا قرَّبنا من لقاء الله خطوة، ولا ندري كم بقي من أعمارنا، بعض خطوة، أم خطوة، أم خطوات؛ يقول الحسن البصريّ: “إنَّما أنت أيُّها الإنسان أيَّامٌ مجموعة، فإذا ذهَب يومُك فقد ذهَب بعضُك.. إذا مرَّ يومٌ من حياتك، فقد وقعت ورقة من شجرتك، وطُوِيت صفحة من صفحاتك، وهَوَى جدارٌ من بُنيانك!”. ويقول عمر بن عبد العزيز: “اللّيل والنّهار يعملان فيك، فاعمل فيهما، نعم اللّيل والنّهار يعملان فيك، كيف؟! يُقرِّبان كلّ بعيد، ويُبليان كلّ جديد، ويفلاَّن كلّ حديد”!

ويقول الفاروقُ عمر بن الخطَّاب: “حاسِبوا أنفسَكم قبلَ أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالَكم قبل أن تُوزَن عليكم”، ويقول أيضًا: لو قيل: “إنّ كلّ النّاس يدخُلون الجنّةَ إلّا واحدًا، لظننتُ أنّي ذلك الواحد”، بينما يقول الصّدّيق أبو بكر رضي الله عنه: “واللهِ لا آمَن مكْرَ الله وإنْ كانت إحدى قَدميَّ في الجنّة”، ويقول عليه الصّلاة والسّلام: “اغتنمْ خمسًا قبلَ خمس: حياتَك قبل موتِك، وصِحَّتَك قبل سقَمِك، وفراغَك قبل شُغلِك، وشبابَك قبل هَرَمِك، وغناك قبل فَقرِك”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *