اخبار الكويت

«القمصان البيض» في لبنان… «حرّاس» الثورة والهوية

… في بلدان العالم هم يعالجون المريض، وفي لبنان يداوون الوطن الجريح ويشخصون بدقّةٍ أمراضَه… همّهم أن يعالجوا آلامه وأوجاع مواطنيه وتَرَهُّل مؤسساته ويعملوا على استئصال مكامن الداء في واقعه وإدارة شؤونه.

إنهم القمصان البيض الذين تعوّدوا أن يتقدّموا الصفوف دفاعاً عن حق المرضى بالطبابة والحياة، فإذ بهم في الصفوف الأمامية أيضاً لمحاولة إنقاذ وطنهم والوقوف بشجاعةٍ وثبات في وجه الساعين لتغيير وجهه ومعالمه الثقافية والفكرية وكل مَن يعيثون فيه فساداً يتآكله كالسرطان.

مجموعة من الأطباء لبسوا قمصانَهم البيض وانطلقوا يلبّون نداء «الواجب الوطني» حين احتاج الوطن إلى نخبة تأخذ بيده وتحاول أن تبلسم جِراحَه وتنتشله من موتٍ كأنه «حُكم به» فصاروا قطرةَ الضوء في النفق المظلم.

د. جورج غانم المدير الطبي لمركز LAU الطبي الجامعي مستشفى رزق وأحد مؤسسي منظمة القمصان البيض في لبنان يروي لـ «الراي» أبعاد هذه الحركة الطبية والوطنية وأهدافها.

للمرة الأولى في العالم يجتمع أطباء في حركة سياسية معارضة ويتحوّلون نواة مقاومة بيضاء تجابه الخطر الذي يتهدد مصير وطنهم وهويته ودوره كملتقى للحضارات وأرض تَعايُش بين أبنائه على اختلاف انتماءاتهم الطائفية.

أطباء صحة وأسنان، صيادلة ومعالجون فيزيائيون انضووا جميعهم تحت راية القمصان البيض ليواكبوا الانتفاضة اللبنانية التي انطلقت في السابع عشر من أكتوبر 2019.

أطباء ينتمون الى مستشفيات جامعية كبرى في لبنان ويحلمون ببلد أفضل، أرادوا التعبير عن تضامنهم مع الثوار حينها لأن اهتراء البلد لم يعد يحتمل أي تخاذل وبقاء على هامش الأحداث.

بداية الحركة كانت بعنوان «الجامعات تنتفض»، وحينها التقى الطب مع العِلْم والجامعة ليكون الحصنَ الداعم للثورة. فالقطاع الخاص لم يكن قادراً على إحداث تأثير قوي، أما المستشفيات الكبرى والجامعات الكبرى في لبنان بما تملك من تَجَذُّرٍ في هذا الوطن ومن مقدّرات بشرية ومالية وعلاقات دولية فقادرة على لعب دورٍ ريادي وإنقاذي وتأدية رسالة وطنية واجتماعية كبرى.

في قلب الثورة يقول د. جورج غانم: «كنا ننزل إلى الشارع، ونسير مع الثوار المُنْتَفِضين وكان نزولنا يؤمّن نوعاً من الطمأنينة والحماية المعنوية لهؤلاء.

فوجود الأطباء في الشارع بما لهم من حضور إنساني ومهني وعلمي كان له وقْعُه الخاص ويشكل غطاء حامياً للمنتفضين. وعندها أوجدنا اسم «القمصان البيض»على حركتنا.

واستمرّت تحركاتنا في الشارع وفي العمل الميداني حيث شهدت الفترة التي سبقت انفجار مرفأ بيروت في 4 اغسطس 2020 عملاً حثيثاً للإضاءة على أوضاع القطاع الصحي لأننا كنا نرى أن السياسات الصحية المتبعة خاطئة ولن تؤدي إلا إلى كارثة، وكنا نحاول وضع حلول للمشاكل المتراكمة قبل وقوع الكارثة التي نشهدها حالياً».

شيئاً فشيئاً بدأت تتضح الأهداف بشكل أكبر، وكذلك الوسائل التي ينبغي اعتمادها لتحقيق التغيير. فالقمصان البيض الذين انبثقوا من الثورة بدأوا يتحولون إلى مجتمع مدني مقاوم يحظى بدعم النقابات والجامعات ويقف الى جانب الناس الذين عاشوا مآسي السلطة الفاسدة وفقدوا الكثير.

صار اسم القمصان البيض Label يعني الجمْع بين مقدرات الجامعات والمستشفيات الجامعية والحركات المدنية لرسم سياساتٍ، ولا سيما في القطاعين الطبي والتربوي، والإضاءة على المشاكل واقتراح حلول لها لأن هذين القطاعين الأساسيين اللذين بني عليهما لبنان يعانيان نتيجة التخبط في السياسات بما يهدد مستقبل لبنان وأبنائه.

من هنا دعت حركة «القمصان البيض» قبل أسابيع الى اجتماع لمناقشة أوضاع التعليم لأنه قضية مركزية وتدهوره يعني المزيد من الذل والفقر والمرض والجهل والقضاء على مستقبل جيل كامل. وقبله وقفت أكثر من وقفة احتجاجية لمطالب المنظمات العالمية بالتعامل بحزم مع الواقع الصحي المتردي في لبنان وعدم التعامل مع مَن كانوا سبب الفساد فيه والسياسات الخاطئة. مناقشاتٌ ومناشداتٌ تتم من قبل نخبةٍ من أصحاب الفكر والخبرة، تجمع اختصاصيين في التعليم الجامعي وأطباء يعملون على الأرض بين المرضى وفي المستشفيات، وذلك لمحاولة إيجاد حلول تحدّ من هجرة الشباب اللبناني وخسارة طاقاته الفكرية والإنتاجية نتيجة حالة اليأس التي يعيشها.

باندفاعة كبيرة يروي د. غانم لـ «الراي» أحداثاً شهدتها الثورة على الأرض ودور القمصان البيض فيها فيقول: «بعد انفجار الرابع من أغسطس وتحديداً في الثامن من الشهر نزل عشرات الآلاف من الأشخاص الغاضبين الى الشارع وأرادوا إسماع صوتهم بشتى الوسائل، لكن السلطات واجهتْهم بعنف مفرط.

وحينها جُرح 300 شخص ورفضت وزارة الصحة إدخالهم الى المستشفيات على نفقة الوزارة. وهنا ضغطت حركتنا بقوةٍ لاستقبال الجرحى في المستشفيات والتراجع عن هذا القرار، ووقفنا الى جانب الجرحى لمداواتهم وتقديم الدعم الكامل لهم.

وثّقنا اعتداءات 8 أغسطس مع منظمة حقوق الإنسان العالمية وتعاونا مع محامين، وأقمنا مؤتمرات صحافية للإضاءة على ما حصل». ويضيف: «مع وصول جائحة كوفيد 19 بات دورنا أكبر وأصعب، إذ كان علينا التعامل مع الجائحة من جهة، والاستمرار في تسليط الضوء على السياسات والممارسات الصحية الخاطئة ومنها انقطاع الأدوية واعتماد الدواء الإيراني غير المدروس من جهة أخرى.

ورغم تراجع الثورة من الشارع ازداد عدد المنضوين تحت راية القمصان البيض وصارت عندنا مجموعات أوسع تعمل لمصلحة صحة المواطن والمريض وحقوقهما. صرنا معارضة مدنية وأوجدنا حالة في القطاع الصحي تمثل الإصلاح». توحيد الرؤية لهدف واحد الانتفاضة الإصلاحية التي تمثّلت في ثورة 17 أكتوبر شهدت بلا شك تراجعاً في وتيرتها، وانكفأ الناس عن الشارع. لكن المقاومة المدنية والفكرية مستمرة وإن كانت المنظومة القائمة تعمل كل ما في وسعها للوقوف في وجه مجموعات التغيير.

ومن هنا السؤال: كم تعوّل هذه المجموعات المنبثقة من رحم المجتمع المدني على الانتخابات النيابية المقبلة؟ وهل يمكن أن تتّحد من أجل تكوين كتلة وازنة قوية يمكنها الوقوف في وجه أحزاب السلطة؟ وأين موقع القمصان البيض في انتخابات ربيع 2022؟

يجيب د.غانم: «نحن كقمصان بيض ليس هدفنا الترشح الى الانتخابات ونيل مقعد نيابي. فالهدف أكبر من ذلك بكثير وهو توحيد الرؤية السياسية والعمل على أن نجْمع تحت لواء واحد كل الحركات الناشطة المنبثقة من الثورة والمجتمع المدني التي تملك المشروع ذاته للبنان. فنحن نعرف مَن هو الخصم ومَن نجابه ومَن هم الذين لا نريدهم أن يصلوا الى البرلمان، ولذلك لا بد من توحيد الجهود لتذهب هذه المجموعات إلى الانتخابات بهوية واحدة واضحة المعالم، وأن يركّز الجميع على مشروع واحد ولا يتلهوا بالتصويب على بعضهم البعض مهما كانت الأخطاء المرتكَبة».

قد تحمل الانتخابات النيابية في لبنان مفاجآت كثيرة بغض النظر عما يحدث اليوم و«المقاومة المدنية» في رأي الطبيب الثائر ستصل الى البرلمان حتى ولو كان الأمر لا يزال ضبابياً الآن. فالسلطة تتهيّب البدء بالحركة الانتخابية، وأحزابها ضائعون ومبعثرون، فيما الانتفاضة المدنية تتهيب البدء إنما لسبب آخَر وهي أنها لا تريد إظهار نفسها وقوّتها منذ اليوم. أما التحالفات الانتخابية فواضحة بحسب غانم «وهي مع كل مَن يشبهنا مَن أشخاص ومجموعات، وإن كانوا في السلطة سابقاً ومن ثم انسحبوا وأعلنوا توبتهم مثل بعض الأحزاب والنواب السابقين»…. هو لبنان الذي تحلم به نُخبه وتعمل له القمصان البيض… بلد رائد بعيد عن كل المشاريع التوسعية في المنطقة، يحافظ على هويته وعلى مشروعه العلمي الحضاري والثقافي ولا يكون ساحة لمشاريع تستغلّه أو مرتعاً لفساد يمتصّ مقدرات شعبه… وطنٌ لا يبقى على «حمّالةٍ» تنقله كل فترة من حربٍ إلى سِلْمٍ هش، بل تُكتب لشعبه، وبإرادة حرة من أبنائه، حياةٌ مستقرة في رحاب سلام وازدهار ورفاه لا يعود معها ساحة ولا مستنقعاً ولا منصة بل دولة… مكتملة المقوّمات.

المصدر: الراي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *