اخبار

سيطرة إسرائيل الوحشية على الشعب الفلسطيني ليست قدراً مقدوراً..

شنت إسرائيل على غزة خمس حروب وحشية دامية في ثلاثة عشر عاما ، وهو معدل لم يعرفه تاريخ البشرية، والمقدر عقلا أنه لن يعرفه مستقبلا . في الحروب الخمس قتلت وجرحت اللآلاف، وهدمت عشرات اللآلاف من البيوت والبنى التحتية الحيوية التي لم يُعدْ بناء إلا القليل منها، ودمرت عشرات الكيلومترات من الطرق وأرصفتها ، وخلفت آثارا سيئة في التربة والزراعة تظهر في كثرة الأمراض والآفات التي تصيب النبات والشجر، وتصعب مقاومتها . ولتلك الحروب آثار نفسية على مواطني غزة يتعزون في التغلب نسبيا عليها بقوة إيمانهم بالله _ جل قدره _ وبأنهم مثابون في الدنيا والآخرة على مآسيهم التي تسببها لهم هذه الدولة التي سرقت وطنهم ، وتريد أن تقضي عليهم بأي وسيلة تقدر عليها إخفاء لشواهد جريمة سرقتها، وتأمينا لمستقبل وجودها مثلما تتوهم.
وإضافة لما سبق من مصبراتهم ومقوياتهم على وحشية إسرائيل ، هم ورثة ثقافة عربية متحدية للصعاب ، ثقافة تمجد البطولة والأبطال، وترى الخوف والجبن أمام الأعداء عارا يرفضه الرجل العربي والمرأة العربية ، وتفيض الحكايات الشعبية العربية والشعر العربي في كل عصوره بهذا الرفض . يقول الشاعر الجاهلي الحصين بن حمام الذبياني: “تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي   = حياة مثل أن أتقدما “، ويقول المتنبي: ” وإذا لم يكن من الموت بد  = فمن العجز أن تموت جبانا”، و”عش عزيزا  أومت وأنت كريم  = بين طعن القنا وخفق البنود “، وينصح أبو بكرالصديق _ رضي الله عنه _  :”احرص على الموت توهب لك الحياة ! ” ، ويقتنع كل فلسطيني بأن قتلانا في الجنة ، وقتلى عدونا  في النار . وتنفذ  توجيهات هذه الثقافة وإشعاعاتها  إلى النفوس بنسب متفاوتة مهما تباينت مستوياتها الثقافية والمعرفية، وتقدم إلى رجال المقاومة مباشرة في نطاق التوجيه المعنوي .
وموازنة بين هلع مستوطني إسرائيل في أصغر مواقف الخطر وبين ثبات مواطني غزة وسائر المواطنين الفلسطينيين فى أعتى مواقفه؛ تبين في وضوح مقنع البون الواسع بين الطرفين مع فارق القوى المادية الهائل بينهما، وما يوفر للمستوطنين الإسرائيليين من الدعوم النفسية المصحوبة بالمال ومحسنات  الحال. ومشهور مذكور نبأ إطاحة الهلع نفسيا ب 15 % منهم بعد مشاهدتهم بعض صور أحداث الحرب الروسية الأوكرانية ، وأحسب بعض أطباء النفس في العالم التقطوا ذلك النبأ ليضيفوه إلى مباحثهم في طب النفس . وكان داعيا للنظر والدرس والاستخلاص في الحرب العدوانية الخامسة على غزة ؛ انتفاء أي سبب مباشر لها ، وتهليل القيادة السياسية والقيادة العسكرية وكثير من الإعلام الإسرائيلي لإنجازاتها ، ثم الإفاقة الفورية من سكرة المبالغة، والإقرار بأنه لا موجب حقيقيا لتلك السكرة ، وأن الزعم بالفصل بين حماس والجهاد كان مغالى فيه، وأنه ما من ردع تحقق ، وأن ما كان سابقا سيكون لاحقا ، وأنه لا حل عسكريا لمعضلة غزة، ولا حل اقتصاديا لكل المعضلة الفلسطينية، وأن الحل سياسي ولو طال الزمن ، وأنه لصالح الفلسطينيين، ولا صالح لإسرائيل فيه . ومع خيبتهم في غزة بادروا للهجوم في الضفة ، فقتلوا إبراهيم النابلسي واثنين من رفاقه وجرحوا سبعة.
وواصلوا الصراخ بأن المقاومة تتحداهم في الضفة بالسلاح ، وأنها مرشحة للتصعيد الخطر ،فأين المفر ؟! والحق أنه لا مفر لهم ، فالشعب الفلسطيني تخلى كليا ونهائيا عن أي وهم باستعادة شيء من حقوقه الوطنية بمفاوضة إسرائيل ومسالمتها ، وأن الوسيلة الفعالة لاستعادة هذه الحقوق هي المقاومة المسلحة . إسرائيل تقاتله وتقتل أبناءه بالسلاح ، ومن يستعمل السلاح لا رد عليه إلا بالسلاح . أجل ، الفرق واسع بين سلاحنا وسلاحهم ، ولا موازنة بحال بينهما إلا أن القليل من سلاحنا سيفعل الكثير المؤلم فيهم ، وقدم هذا السلاح القدوة في تحرير غزة في 12 سبتمبر 2005 . ما كانت ستبارح غزة بعد 38 عاما من احتلالها وإقامة 21 مستوطنة فيها لولا سلاح المقاومة ، وأكثره  ، خاصة الهاونات ، محلي الصنع قليل الدقة أو منعدمها . الضفة الآن تسير على طريق غزة ، وتصطدم في مسيرها بسلبيات ، وتسعفها فيه إيجابيات ، وستهب عليها سلبيات من الخارج ، وستهب عليها إيجابيات منه . وحتما ستهزم الإيجابيات السلبيات . إسرائيل تترنح في صراع خاسر مع الشعب الفلسطيني الذي يوقن إيقانا مطلقا متمكنا أن سيطرتها الوحشية عليه ليست قدرا مقدورا ، وأن في قدرته ، على جسامة التضحية ، أن يزيل هذه السيطرة ، وأن يعاقب في النهاية هذا الكيان الوحشي على جرائمه التي ينهال بها عليه منذ أن وطىء مستوطنوه ترابه الوطني في متوالية دموية مخربة لا تتوقف . ويتزايد كل يوم مؤيدو الشعب الفلسطيني في العالم ، ويتناقص مؤيدو إسرائيل ، وما أعظم السمو الخلقي والإنساني لنادي سيلتك الأسكتلندي وجماهيره في هتافهم بالحرية للشعب الفلسطيني في انطلاق الدوري في بلادهم ، وما أعظم خسة ونذالة كل عربي أو مسلم يفتح قلبه وبابه لكيان ارتقى إلى ذرا الوحشية المتخلفة الغابية اسمه إسرائيل .
                                  ***
في يونيو 1967 ، بعد العدوان الإسرائيلي ، كتب إسرائيلي اسمه توفي إيلي أمينوف : “
الاحتلال يؤدي إلى الحكم الأجنبي ، والحكم الأجنبي يؤدي إلى المقاومة ، والمقاومة تؤدي إلى القمع ، والقمع يؤدي إلى الإرهاب والإرهاب المضاد ، وضحايا الإرهاب أبرياء عموما . ” . لم يأبه أحد في إسرائيل بما قاله محذرا منه ضمنا ، وسارت إلى يوم الناس هذا في متوالية السبب والنتيجة التي حددها دقيقا . توفي أمينوف قبل أسبوع . ويبدو اسم ” أمينوف ” عربي الأصل ، فهو مؤلف من ” أمين ” و ” أوف ” التي تعني ” أب ” في الروسية ، فاسمه إذن أو كنيته ” أبو أمين ” .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *